يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 14992 الثلاثاء 24 صفر 1431هـ الموافق 9 شباط 2010
فن وثقافة
Bookmark and Share
قريباً من محمود درويش رسمي ابو علي

 

 
عرفت محمود درويش لاول مرة في وقت ما من عام 1971 في القاهرة حيث كنت كبيراً للمذيعين ومعلقاً سياسياً في اذاعة الثورة الفلسطينية ، اما محمود فكان قد غادر حيفا حيث كان يقيم عادة ، الى الاتحاد السوفياتي اولا ثم ، ربما الى بلاد اخرى ليستقر اخيراً في القاهرة حيث استقبلته السلطات المصرية افضل استقبال اذ خصّصت له بيتا واسعاً ليقيم فيه في حي (جاردن سيتي) الذي كان يُعتبر من أرقى احياء القاهرة في ذلك الحين.. اضافة الى ان الاستاذ هيكل قد عينه في القسم الثقافي في جريدة الاهرام حيث كان هناك ، وفي نفس الغرفة عمالقة الادب المصري آنذاك: توفيق الحكيم ، نجيب محفوظ ، يوسف ادريس.

اما الجالية الفلسطينية البورجوازية في القاهرة فقد اعتبرته طفلها المدلل منذ لحظة وصوله الى القاهرة - وكان مكان اللقاء الاثير للنخبة الفلسطينية السياسية والثقافية رجالاً ونساء ، هو بيت السيدة الكبيرة ام مازن عبدالهادي في حي جاردن سيتي ايضا.. وكثيرا ما التقيت به في بيت تلك السيدة والتي كانت اما للجميع.

اما اول اتصال ادّى الى شيء من الاحتكاك بيني وبينه فحدث عندما كتب محمود قصيدة رثاء لاحد قادة فتح الشهيد ابو علي اياد حيث رسم فيها صورة نموذجية للشهيد بملامح وطنية عامة لانه لم يكن يعرف الشهيد شخصيا. وحال ظهور القصيدة في الصحف طلب مني مدير الاذاعة ان اقرأ القصيدة بصوتي ولكني صُدمت بعض الشيء عندما قرأت مقطعا في القصيدة يقول:

لنا صور في جيوب النساء

وربما كان محمود يجري نوعاً من المقارنة بين الشهيد وبين المثقفين الذين يتحدثون عن الثورة ولكنهم في الحقيقة دونجوانات اكثر منهم مناضلين.

ربما كان ذلك نقداً ذاتياً لمحمود درويش.. ولكنني رأيت ان قول تلك الجملة قد يخدش الصورة المشرقة النبيلة التي كونها الرأي العام الفلسطيني خصوصاً عن محمود درويش والذي سطع نجمه ونجم عدد من رفاقه شعراء الارض المحتلة عام 48 والذين عرفوا بشعراء المقاومة..

لا اعرف ماذا قلت له ، ولكنني اعرف انني كنت في الحقيقة أدافع عن صورته والتي رأيت الا مبرر هناك للانتقاص من شأنها ، مع العلم ان احتفاظ النساء بصورنا امر لا بأس به على الاطلاق..

كان احتكاكا عارضا واذكر ان محمود قال:

- يبدو انه تسمحون لانفسكم بالحذف كما تشاؤون.

كان هذا أول ما نطق به - ولكن بعد ذلك وبعد شيء من الشرح بروح طيبة بدا وكأن محمود قد استوعب الامر..

ورغم انزعاجه من حذف تلك الجملة الا انه امتدح صوتي والقائي وانتقائي للموسيقى المناسبة وقد سعدت طبعا بسماع ذلك المديح رغم انني كنت اعرف ان صوتي كان جيدا.

ويبدو ان قراءتي لقصيدة رثاء الشهيد ابو علي اياد اصبحت بداية تقليد استمر لسنوات حيث كنت اقوم باذاعة قصائد محمود حال ظهورها - وكان محمود حريصا على ان يسمع القصيدة بصوتي الى ان قال لي ذات يوم بانه يحب شعره اكثر عندما يسمعه عبر القائي له. وغير ذلك فقد كان حريصاً تماماً على معرفة رأيي في آخر قصائده.. وكان يقول لي.. وأسف.. فلم يكن قصدي ان انزلق الى مديح الذات.. وان كان يحق للمرء ان يمدح نفسه احيانا اذا كان يستحق ذلك واذا لم يكن هناك من يمدحه..

ولسنوات بدءا من عام 1971 في بيروت ولمدة سبع سنوات عملت خادماً ومروجا لشعر درويش الذي كان ، ولعله لا يزال يحتفظ بالعديد من اشرطة التسجيل لشعره الذي كنت اقرؤه بصوتي. كنت افعل هذا عن حب.. فقد كان شعراً جميلا يتدفق بغنائية اصيلة عالية تصل حدود السلطنة..

منذ عشرين سنة ، وانا أعرفه في الاربعين وطويلا كنشيد ساحلي وحزين.

كان يأتينا كيف من نبيذ

كان يمضي كنهايات صلاة

كان يلقي شعره في مطعم خريستو

وعكا كلها تصحو من النوم وتمشى في المياه

كان اسبوعاً من الارض ويوماً للغزاة

ولأمي ان تقول الآن: آه

وهذا هو مقطع من قصيدة محمود درويش في رثاء الشاعر راشد حسين والذي مات في نيويورك وكان راشد حسين نوعاً من اب شعري لمن اطلق عليهم فيما بعد شعراء المقاومة.

لقد أحببت تلك القصيدة والتي لا نظير لنفسها الغنائي الدرامي التراجيدي المتدفق وعندما سألني عنها كالمعتاد قلت له ان هذه القصيدة هي اكمل ما كتبت،

وظلت الامور بيننا على احسن ما يرام الى ان قررت ان أبدا بكتابه الشعر..

وكان لدي بعض الدوافع ، بعضها شخصي وبعضها له علاقة بشعور مثالي كامل عن كيف يجب ان تكون الثورة.

لم يكن محموداً مرتاحاً لنشاطي الشعري المفاجىء وخاصة انني كنت قد نشرت لتوي قصتي المعروفة «قط مقصوص الشاربين اسمه ريش والتي أثارت اعجاب محمود ودهشة الياس خوري البالغة الذي اخذ يسأل بإلحاح: هل انت فعلا من كتب القصة.. بدا غير مصدق انني كتبت القصة ويبدو انه شكل انطباعا معينا عني جعل امكانية ان اكتب قصة كهذه امراً صعبا ان لم يكن مستحيلا.. ولكن وبعد ذلك بأشهر كانت الدهشة قد غادرته وهو يعلّق مرة اخرى على القصة قائلا بانني قلت ، في الحقيقة ، كل شيء.

ونعود الى الشعر.. والذي قلت انني قررت كتابته بقرار ارادي - اذ ان موهبتي الفطرية كامنة في القصة..

ربما كان هذا جزءا من نزعة المشاكسة الحادة والغضب الذي كان ينتابني كلما اصطدمت ببنى وانماط تفكير تقليدية واكثر من تقليدية ، كنت غاضبا وشبه يائس من الوضع الذي لم يعجبني فيه شيء.. ولك أكن اقصد طبعا ان اصطدم بمحمود درويش او غيره.. لم يكن هناك شيء شخصي.. لقد كنت ضد الانساق السائدة كلها في النظام الفلسطيني المسلح آنذاك.

وقد كتبت قصائد حازت على مديح بعض الشعراء والنقاد - ولكن المشكلة كانت تكمن في الجانب العبثي الفكاهي في اعماق روحي والذي انطلق بعد ان تعرفت على صديقي الكردي العراقي ابو روزا وولف.. فشكلنا ثنائيا فكاهيا ثقافيا غريبا من نوعه.. يحاربونه نهاراً ويضحكون منه ليلا.. وكنا قد اعلنا جلوسنا على الرصيف واصدرنا مجلة كانت تصدر حسب التساهيل اسمها رصيف 18,.

محمود غضب من بعض ما كنت انشره بالاشتراك مع ابو روزا وولف واعتبره مهزلة حيث اصبح الشعر نكتة الصباح اليومية.. كما كتب مقالا بعنوان «أنقذونا من هذا الشعر»:

تذكرتك.. فهرشت رأسي

فمتى تهرش رجلك لتذكرني؟

كنا ننشر اشياء سخيفة مضحكة من هذا النوع ليتلقفها وينشرها صديقنا المجنون الشاعر السوريالي العجيب شوقي ابي شقرا والذي كان مسؤولا للصفحات الثقافية في «النهار» - هذه القصائد وغيرها. لا بد انها استفزْت محمود وهو العابد المتعبد في محراب الشعر.. الجاد.. الملتزم.. الجميل.

وقد حدثني في هذا الامر ذات مرة قائلا بأني كاتب قصة واعد فلماذا لا اركز على القصة القصيرة وبلاش هالشعر.. لكنني كنت أحس انني لا اشكل خطراً على احد ، كما انني لم اكن داخلا في اية منافسة.. واظن انني قلت لمحمود: أتعرف كيف انظر لما اكتبه من شعر؟ انني اعتبر انني مجرد بائع ترمس على رصيف الشعر لكن لديّ موالا اريد ان اضربه..

لم نصبح اعداء بعد ذلك وان كنت المس شيئا من الجفاء احيانا وربما كنت مخطئاً.. لانه في مناسبات اخرى كنا نتحدث بود واهتمام.. لكنني قليلا ما كنت اراه بعد خروجنا من بيروت - ثلاث او اربع مرات ولكني كنت متابعا شغوفا بشعره وبما يكتب عن شعره.

الان يغيب عنا محمود الى الابد.. فلم يعد هناك اية امكانية لرؤيته لا بالصدفة ولا بغيرها.. واني لاحس بقدر كبير من الأسى والحسرة لان محمود غاب قبل ان اجري معه ذلك الحديث في العمق عن اشياء كثيرة بقيت معلقة بيني وبينه لسنوات طويلة ، لقد بقيت اؤجل ذلك اللقاء معتقدا انه لا يزال هناك متسع من الوقت ولكن ، للاسف الشديد ، لم يكن هناك الكثير من الوقت بالنسبة لمحمود.

وداعاً يا صديقي يا (صديقي) - وداعا يا شاعرا كبيرا ملأ صوته الآفاق كلها.. ولعلّنا ان نعود ونلتقي ذات يوم.. بالصدفة كما كان الامر دائما بيننا.

ہ قاص وشاعر اردني

rasmiabuali@hotmail.com

Date : 15-08-2008


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team